📁 آخر الأخبار

رواية أنيسى المنتظر كاملة (جميع الفصول) بقلم يارا ابراهيم

رواية أنيسى المنتظر كاملة (جميع الفصول) بقلم يارا ابراهيم


الفصل الأول 1

|أنيسي المُنتظر|

الحلقة الأولى _حين تتعثرُ الأقدار.


___________________________


"في لحظةِ فقدٍ... قد يكتبُ اللهُ لك لقاءً يُحيي فيك الأملَ من جديد".

__________________________


_إنتِ مطرودةٌ يا إسراء.


وقعت تلك الكلمات على مسامع «إسراء» فألجمتها للحظة ، لكنها سُرعان ما تداركت الموقف ، و رسمت ابتسامةً هادئة على مُحيّاها ، وقالت:


_متشكرة يا أستاذ حسن ، تشرفتُ بالشغل مع حضرتك ، السلام عليكم.


شعر «حسن» بالحزن تجاه تلك الفتاة ، لكن الأمر لم يكن بيده ؛ فهي كثيرًا ما كانت تتأخر عن العمل ، وكان يتغاضى عن ذلك مرارًا ، إلا أن هذه المرة لم يكن هناك مجالٌ للمسامحة ؛ فقد تسبب تأخُرها في ضياع صفقةٍ كانت ستنقل الشركة إلى مكانةٍ أخرى ، ومدير الشركة رجلٌ صارم لا يعرف معنى التساهل.


قال «حسن» قبل أن تغادر:


_إنتِ عارفة يا إسراء إن الموضوع مش بإيدي ، أنا لو عليَّ كُنت سامحتك ، لكن الباشمهندس عامر...!


تنهدت «إسراء» وأكملت حديثه قائلة:


_عارفة يا أستاذ حسن ، لكن كان المفروض الباشمهندس يقدّر إنّي بتأخر بسبب بُعد المسافة بين البيت والشركة ، أو على الأقل علشان أنا موجودة هنا من خمس سنين ، من قبل ما اتخرج ، وحتى قبل ما هو يمسك إدارة الشركة مكان والده الأستاذ محمد العِمري لكن الحمد لله... يمكن ماليش نصيب أكمل هنا ، و إللي رزقني بالشغل هنا قادر سبحانه يرزقني بغيره ، السلام عليكم.


لم تكن قد رأت «عامر» من قبل ، إذ كان نادر الحضور ، لكنها سمعت الكثير عن قسوته.


قال «حسن» بحزن:


_طيب عدي على الحسابات وخدي باقي مستحقاتك.


هزّت «إسراء» رأسها بالموافقة ، وذهبت إلى قسم الحسابات ، ثم خرجت من الشركة للمرة الأخيرة.


كانت تسير في الشوارع بلا وجهةٍ محددة ، شاردة الذهن، لا تدري كيف ستخبر والدتها وأخواتها بما حدث ، وبينما هي غارقةٌ في أفكارها ، سمعت صوت سيارةٍ يقترب بسرعة ، فأغمضت عينيها مستسلمة ، لكن صوت الفرامل الحادّ سبق الاصطدام ، ترجّل شاب في أوائل الثلاثينيات من عمره، وقال بقلق:


_إنتِ كويسة يا آنسة؟ أنا آسف ، لكن إنتِ اللي كنتِ ماشية سرحانة.


أخفضت «إسراء» رأسها وقالت بهدوء:


_ولا يهم حضرتك، أنا فعلًا الغلطانة ، وآسفة إني ماخدتش بالي.


تأملها الشاب للحظات ؛ كانت فتاةً في منتصف العشرينيات ، ترتدي خمارًا أبيض ينسدل فوق فستانٍ أزرق تتخلله نقوشٌ سحابية بيضاء ، كانت ملامحها هادئة تبعث الطمأنينة في قلب من يراها ، أخرج بطاقةً من جيبه ومدّها إليها قائلًا بابتسامة:


_أنا شهاب العِمري ، وده الكارت بتاعي... لو احتجتِ أي حاجة.


رفعت «إسراء» نظرها إليه للمرة الأولى وقالت بلهفة:


_حضرتك ابن الأستاذ محمد العِمري؟


ثم سرعان ما أنزلت رأسها مجددًا ، ابتسم «شهاب» من فعلتها تلك و أردف قائلًا:


_أيوه، تعرفيه؟


أشارت بيدها نحو الشركة خلفها وقالت:


_آه ، أنا كنت بشتغل في شركته بقالي خمس سنين ، لكن !


توقفت للحظة، ثم قالت بصوتٍ ثابت:


_إتطردت النهاردة.


اتسعت عيناه بدهشة:


_إتطردتِ؟!


هزّت رأسها بالإيجاب ، ليُكمل هو :


_ليه؟ ما دام إنك معاهم من زمان ، أكيد ده دليل على كفاءتك.


تنهدت «إسراء»، وروت له ما حدث ظنًا منها أنه يمكنه مساعدتها ، مرّر «شهاب» يده في شعره وقال:


_كنت أقدر أساعدك لو القرار بإيد أبويا ، لكن عامر أخويا؟ الموضوع شبه مُستحيل... شبه إيه ! ده مُستحيل فعلًا.


ابتسمت «إسراء» ابتسامةً خافتة وقالت:


_شكرًا لحضرتك يا أستاذ شهاب ، ومتأسفة مرة تانية على اللي حصل، لكن اتأخرت ولازم أمشي السلام عليكم.


قال بسرعة:


_طيب، أوصلك.


أجابته بثقة:


_لا، شكرًا لحضرتك ، حضرتك أجنبي عني ، وما ينفعش أركب معاك.


رفع حاجبيه باستغراب وقال:


_أجنبي؟! لا، لا... أنا مصري عادي !.


فهمت «إسراء» أن فهمه للمصطلحات الشرعية محدود ، فقالت موضحة:


_أقصد أجنبي عني شرعًا ، يعني مش من محارمي ، زي الأب أو الأخ أو العم أو الخال أو الجد .


نظر إليها «شهاب» بإعجابٍ شديد ، وقال بعد لحظة:


_فهمت طيب، هنركب مواصلات عامة كده ينفع ، صح؟


قالت وهي تشعر بالإرهاق:


_ينفع ، لكن ملوش لزوم تتعب حضرتك.


_ولا تعب ولا حاجة ، يلا.


استقلا المواصلات العامة ، حتى وصلا إلى منزلها ، عرضت عليه أن يتفضل إلى الداخل ، لكنه إعتذر بحجة وجود عملٍ هام.


كان المنزل بسيطًا في حيٍّ هادئ نسبيًّا، ويتكوّن من طابقين:


_في الطابق الأول يسكن عمها «ياسر»، البالغ من العُمر سبعين عامًا ، و زوجته «منى» ، ولديهما ثلاثة أبناء:

«فرح» الكُبرى ، متزوجة ولديها طفلان ، وتبلغ خمسةً وثلاثين عامًا.

«مصطفى» ، متزوج ولديه طفل ، ويبلغ ثلاثين عامًا.

«وئام»، طالبة في السنة الأخيرة من الجامعة، وتبلغ اثنين وعشرين عامًا.


أما الطابق الثاني فتسكن فيه «إسراء»والتي تبلغ 26 عامًا، مع والدتها «ليلى» (59 عامًا)، وشقيقتيها:

«ميسون»، طالبة جامعية بكلية ألسن وصديقة «وئام».

«يمنى» الصغرى ، طالبة في الصف الثالث الثانوي ، وتبلغ سبعة عشر عامًا.


دخلت «إسراء» غرفتها فورًا ، بدّلت ملابسها ، وجلست على سريرها ، ثم فتحت مذكرتها الخاصة وكتبت:


"أتراني أبالغ حين أقول إنني أحبُّ شخصًا لا أعرفه؟

أحببته في غيابه ، بين السطور ، في اللحظات التي تمنيتُ لو كان فيها جواري.

كلما ضاقت بي الحياة، دعوتُ الله أن يبعث لي أنيسًا لروحي ، يحتضن ضعفي دون سؤال ، ويُنصت لصمتي قبل كلماتي.

أتعلَم؟ لم أعد أريد مغوارًا ولا معجزة...

أنا فقط أريد قلبًا يُشبهني ، يتعب من الوحدة كما تعبتُ أنا."


أغلقت المذكرة ، وانهمرت دموعها بصمت أخذت نفسًا عميقًا ، ومسحت دموعها سريعًا ، ثم ارتسمت على شفتيها ابتسامةٌ مصطنعة قبل أن تخرج من غرفتها ،

وقالت بصوتٍ مرح:


_لولة... لوووولة! إنتِ فين يا ست الكل يا حبيبة؟


جاءها صوت والدتها من المطبخ:


_أنا هنا يا أخرة صبري!


دخلت المطبخ وقالت بمشاكسة:


_إيه ده يا لولة؟ مكرونة بشاميل ، ومحشي ، وحمام! واضح إنك راضية عنّا آخر رضا.


رفعت والدتها حاجبها وقالت:


_رضا دي تبقى خالتك ادخلي في الموضوع على طول.


ابتسمت «إسراء» وقالت:


_مستعدة للخبر؟


_قولي، بس واحدة واحدة ، علشان لو حاجة زي وشك ألحق أمسي عليكِ بالشبشب.


تراجعت «إسراء» خطوةً للخلف استعدادًا للهروب، وقالت بسرعة:


_اتطردت من الشغل.


انتظرت رد فعلٍ عنيفًا ، لكنها فوجئت بسكون والدتها فقالت بدهشة:


_مالك؟


أجابت والدتها ببساطة:


_ ليه ؟


_يا ماما، إنتِ عارفة إن الشركة كانت بعيدة ، وإني بتأخر .


أردفت والدتها مُتعجبة:


_ بس عارفة برده إن أستاذ حسن عذرك وبقي يسامحك .


قالت «إسراء» بضيق:


_ما هوا اللي طردني مش أستاذ حسن ، ده الباشمهندس عامر.


_عامر القاسي اللي كنتِ بتحكي عنه؟


سألت والدتها بإستفسار فأجابت بإقتضاب :


_أيوة ، هو بعينه.


ابتسمت والدتها وقالت في رضا:


_الحمد لله يمكن ربنا صرف عنك شر وإنتِ مش شايفاه دوري على غيره ، وربنا هيعوضك بالأفضل.


لم تتمالك «إسراء» نفسها ، وقالت بصوتٍ متهدج:


_بس يا ماما لما أشتغل في مكان جديد ، أكيد المرتب هيكون أقل ، وإنتِ عارفة إن مصاريف البيت كتير ، ومصاريف كلية ميسون ، ودروس يمنى ، والجمعية ، إحنا في الدنيا من غير سند كان نفسي بابا يكون موجود ، كان نفسي أوي.


وانهارت باكيةً لم تعد قادرة علي التحمُل أكثر من ذلك فأي فتاة في مثل عُمرها كانت تتزين وتهتم بِـ بشرتها وتشتري الملابس مثل جميع الفتيات ولكن هي ! يا حسرتاه ! ، على ما فعله بها الزمن ، تشبثت بوالدتها ، واشتدت شهقاتها ، حتى بدأ نفسها يضيق.


صرخت الأم بفزع:


_ يمنى ! ، يا يمنى!


أسرعت «يُمنى» إلى المطبخ وهي تقول بتوتر:


_في إيه يا ماما؟ مالها إسراء؟


_قالت الأم وهي تبكي:


_هاتي الجهاز بتاع أختك بسرعة !.


ركضت «يمنى» إلى غرفة «إسراء» تبحث عنه ، ثم عادت بعد دقائق وهي تبكي:


_مش لاقياه !.


يا تري إيه مصير بطلتنا ؟ ، ومين شهاب إللي ظهر فجأة ده؟ ، وهل هيقدر يساعدها ولا لأ ؟ .


كل الإجابات هنعرفها من أحداث الراوية تابعوا .


#الفصل_الأول


#رواية_أنيسي_المُنتظر


#يارا_إبراهيم




 

تعليقات