تطور كأس الأمم الأفريقية
بدأت هذه البطولة النخبوية الأفريقية بأربعة منتخبات فقط، ثم توسعت لتضم 24 فريقاً، حاملةً معها تاريخاً عريقاً.
في عام 1957، لم يكن أحد يتخيل أن بطولة كرة قدم تُقام بثلاثة منتخبات فقط ستتحول بعد عقود إلى الحدث الكروي الأكبر في القارة السمراء. في ملاعب السودان، وُلدت فكرة كأس الأمم الأفريقية وسط إمكانيات متواضعة وطموحات كبيرة، حيث اجتمعت مصر والسودان وإثيوبيا لكتابة أول سطر في تاريخ بطولة ستغيّر وجه كرة القدم الأفريقية. لم تكن هناك جماهير غفيرة ولا تغطية عالمية، لكن الشغف كان حاضرًا، والكرة كانت كافية لتوحيد قارة كاملة.
ومع مرور السنين، بدأت البطولة تكبر عامًا بعد عام، تعبر حدود الدول وتكسر القيود الجغرافية، حتى أصبحت مسرحًا لأساطير خالدة، ومواجهات لا تُنسى، وملاعب تهتز بأصوات الملايين. من نسخة بثلاثة منتخبات إلى بطولة تضم اليوم 24 منتخبًا، لم يكن تطور كأس الأمم الأفريقية مجرد زيادة في العدد، بل قصة نضال كروي، وهوية قارية، وحلم جماعي لا يزال يُكتب حتى الآن.
![]() |
| تطور كأس الأمم الأفريقية |
[المصدر: Viber.com]
انبثقت فكرة بطولة كرة قدم لأفريقيا خلال تأسيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم (CAF) عام 1956 من قبل مصر والسودان وإثيوبيا وجنوب أفريقيا. وبعد عام، أقيمت أول بطولة لكأس الأمم الأفريقية (AFCON) في السودان. وانضمت إلى الدولة المضيفة مصر وإثيوبيا، بينما استُبعدت جنوب أفريقيا بسبب سياساتها العنصرية التي تتعارض مع موقف الاتحاد الأفريقي لكرة القدم الرافض للتمييز العنصري.
على مدار تاريخها العريق، أبرزت هذه البطولة الكروية المواهب الفذة والشغف والتراث الثقافي لكرة القدم الأفريقية. فمنذ بداياتها المتواضعة كبطولة تضم ثلاث دول، إلى أن أصبحت حدثًا عالميًا يحظى بملايين المشجعين، باتت بطولة كأس الأمم الأفريقية منصةً ليس فقط للتميز الكروي، بل أيضًا للتعبير عن الوحدة والهوية الأفريقية.
بعد فوز مصر بأول بطولة لها بتغلبها على إثيوبيا 4-0 في المباراة النهائية، شهدت الستينيات والسبعينيات من القرن العشرين صعود منتخبات مهيمنة مثل غانا وزائير (جمهورية الكونغو الديمقراطية حاليًا). استخدمت غانا، بقيادة كوامي نكروما، كرة القدم كأداة للترويج للوحدة الأفريقية، وفازت بالبطولة عامي 1963 و1965. وصنعت زائير التاريخ عام 1974 لتصبح أول منتخب من أفريقيا جنوب الصحراء يفوز بكأس الأمم الأفريقية ويتأهل لاحقًا لكأس العالم.
شهدت البطولة فوز الكاميرون المثير عام 1988. وفي الوقت نفسه، كانت إحدى أبرز اللحظات في تاريخ البطولة عام 1996، عندما استضافت جنوب أفريقيا بطولة كأس الأمم الأفريقية للمرة الأولى منذ تحررها من نظام الفصل العنصري. وتمكن المنتخب، الذي كان ممنوعًا من المشاركة في المباريات الدولية لسنوات طويلة، من الفوز بالبطولة بعد تغلبه على تونس في المباراة النهائية.
هيكل بطولة كأس الأمم الأفريقية: الفرق والمتأهلون
منذ بداياتها، تُقام بطولة كأس الأمم الأفريقية كل عامين، بمشاركة محدودة بسبب التحديات اللوجستية وعدم الاستقرار السياسي في العديد من الدول الأفريقية. ورغم هذه العقبات، شهدت البطولة نموًا مطردًا. وبحلول عام 1962، ازداد عدد المنتخبات المشاركة بانضمام تونس وأوغندا.
تُقام تصفيات كأس الأمم الأفريقية على مدى عامين، حيث تُجرى مباريات الجولة الأولى عادةً في شهر يونيو من العام الذي يسبق البطولة. يختلف نظام التصفيات من نسخة لأخرى، ولكن بشكل عام، تُجمع الفرق في مجموعات وتلعب مبارياتها ذهابًا وإيابًا.
يختلف عدد الفرق التي تتأهل لكأس الأمم الأفريقية، ولكن في السنوات الأخيرة، كان العدد 24 فريقًا. وهذا يعني أن الفريقين الأولين من كل مجموعة، بالإضافة إلى أفضل أربعة فرق احتلت المركز الثالث، يتأهلون للبطولة.
توسع وتطور كرة القدم في أفريقيا
شهدت ثمانينيات القرن الماضي فترة توسع وتطور ملحوظة لبطولة كأس الأمم الأفريقية. فقد تم توسيع نظام البطولة ليشمل ثمانية فرق، مقسمة إلى مجموعتين. أتاح ذلك مباريات أكثر تنافسية، وساهم في إبراز المواهب الكروية الأفريقية. وبرزت دول مثل الكاميرون والجزائر ونيجيريا كقوى كروية عظمى، قدمت أداءً كرويًا مهاريًا وقويًا لفت أنظار العالم.
عزز فوز الكاميرون عام 1984 ونجاحها اللاحق عام 1988 مكانتها كقوة مهيمنة. وبالمثل، مثّل فوز نيجيريا عام 1980 بداية تألقها الكروي في القارة. ولا تزال المباراة النهائية عام 1988 بين الكاميرون ونيجيريا واحدة من أكثر المباريات التي لا تُنسى في تاريخ كأس الأمم الأفريقية، حيث فازت الكاميرون بصعوبة بنتيجة 1-0.
شهدت تسعينيات القرن الماضي بداية حقبة جديدة لكأس الأمم الأفريقية، تميزت بزيادة الاحترافية والاعتراف العالمي. وتوسعت البطولة مجدداً عام ١٩٩٢ لتشمل ١٢ فريقاً، مما زاد من تنوع المنافسة. كما أضافت عودة جنوب أفريقيا إلى الساحة الدولية لكرة القدم بعد نهاية نظام الفصل العنصري بُعداً هاماً لتاريخ كأس الأمم الأفريقية.
كان فوز جنوب أفريقيا الساحق في نسخة عام 1996، التي استضافتها على أرضها، لحظة رمزية للأمة والقارة الأفريقية. وقد أكد هذا الفوز على قوة كرة القدم في توحيد الصفوف وتجاوز الانقسامات التاريخية. كما شهد العقد صعود مصر كقوة مهيمنة، حيث فازت بألقاب متتالية في أعوام 1998 و2006 و2008 و2010، لتصبح بذلك الفريق الأكثر تتويجاً في تاريخ كأس الأمم الأفريقية.
الفائزون بكأس الأمم الأفريقية
1957 فراعنة مصر
الجمهورية العربية المتحدة 1959
والياس إثيوبيا 1962
نجوم غانا السوداء 1963
نجوم غانا السوداء 1965
1968 نمور جمهورية الكونغو الديمقراطية
صقور جيدايان السودانية 1970
1972 نمور جمهورية الكونغو الديمقراطية
1974 نمور زائير
1976 أسود الأطلس في المغرب
نجوم غانا السوداء 1978
النسور الخارقة لنيجيريا 1980
نجوم غانا السوداء 1982
1984 الأسد الذي لا يقهر في الكاميرون
1986 فراعنة مصر
1988 الأسد الكاميروني الذي لا يقهر
1990 محاربو الصحراء في الجزائر
1992 أفيال ساحل العاج
1994 النسور الخارقة لنيجيريا
1996 بافانا بافانا من جنوب أفريقيا
1998 فراعنة مصر
2000 الأسد الكاميروني الذي لا يقهر
2002 الأسد الذي لا يقهر في الكاميرون
نسور قرطاج التونسية 2004
2006 فراعنة مصر
2008 فراعنة مصر
2010 فراعنة مصر
منتخب زامبيا تشيبولوبولو 2012
2013 النسور الخضراء لنيجيريا
2015 أفيال ساحل العاج
أسد الكاميرون الذي لا يقهر لعام 2017
2019 محاربو الصحراء في الجزائر
أسود تيرانغا السنغال 2021
2023 أفيال ساحل العاج
فازت نيجيريا على بوركينا فاسو 1-0 في جوهانسبرج لتتوج بلقب كأس الأمم الأفريقية 2013. المصدر: ABC News
كأس الأمم الأفريقية تتوسع عالمياً في العصر الحديث
بحلول العقد الأول من الألفية الثانية، رسّخت بطولة كأس الأمم الأفريقية مكانتها كحدث كروي عالمي . وقد عكس توسع البطولة لتشمل 16 فريقًا في عام 1996، ثم 24 فريقًا في عام 2019، تزايد شعبيتها وارتفاع مستوى المنافسة في كرة القدم الأفريقية. وأتاح هذا التوسع مشاركة المزيد من الدول، مُبرزًا المواهب الكروية الغنية في القارة.
تميز العصر الحديث لكأس الأمم الأفريقية بمباريات مثيرة، وأداء نجومي، ولحظات تاريخية. فقد أنهى فوز ساحل العاج عام 2015 غياباً دام 23 عاماً عن منصات التتويج، بينما كان فوز منتخب زامبيا (تشيبولوبولو) المثير بركلات الترجيح عام 2012 انتصاراً مؤثراً أهداه لضحايا حادث تحطم الطائرة عام 1993 الذي كان يستقله المنتخب الوطني. وقد ساهم بروز نجوم بارزين مثل ديدييه دروغبا، وصامويل إيتو، ويايا توريه، ومحمد صلاح في زيادة الاهتمام العالمي بكأس الأمم الأفريقية.
في تاريخ بطولة كأس الأمم الأفريقية العريق، لم يحقق سوى ثلاثة منتخبات إنجازاً استثنائياً بالفوز باللقب مرتين متتاليتين: الفراعنة عامي 1957 و1959، والنجوم السوداء عامي 1963 و1965، والأسود غير المروضة عامي 2000 و2002. ويحمل المنتخب المصري الرقم القياسي لأكبر عدد من الانتصارات في تاريخ البطولة الأفريقية، برصيدٍ مذهل بلغ سبعة انتصارات. وبالإضافة إلى فوزيه المتتاليين عامي 1957 و1959، عزز الفراعنة تفوقهم في أعوام 2006 و2008 و2010.
الأهمية الثقافية والسياسية لكأس الأمم الأفريقية
إلى جانب كرة القدم، لطالما مثّلت بطولة كأس الأمم الأفريقية منصةً للتعبير الثقافي والسياسي. وقد عكست البطولة نضالات القارة وانتصاراتها، بدءًا من حركة مناهضة الفصل العنصري وصولًا إلى الاحتفال بالاستقلال والوحدة. وغالبًا ما تُمثّل المنتخبات الوطنية رموزًا للأمل والفخر، متجاوزةً الانقسامات العرقية والسياسية.
لا يُمكن المبالغة في أهمية دور بطولة كأس الأمم الأفريقية في تعزيز تطوير كرة القدم الأفريقية. فقد وفرت منصةً للاعبين الشباب لعرض مواهبهم، مما أتاح لهم فرصًا في الأندية والبطولات الدولية. إضافةً إلى ذلك، عززت البطولة الشعور بالهوية والفخر بالتراث الأفريقي، ووحدت ملايين المشجعين في جميع أنحاء القارة والشتات.
التحديات ومستقبل كرة القدم الأفريقية
رغم نجاحها، واجهت بطولة كأس الأمم الأفريقية تحديات، منها تعارض المواعيد مع الدوريات الأوروبية، والتدخلات السياسية، ومشاكل البنية التحتية. وكان الهدف من قرار نقل البطولة من موعدها التقليدي في يناير/فبراير إلى يونيو/يوليو في عام 2019 هو الحد من التعارضات مع الأندية الأوروبية وضمان مشاركة أكبر لأفضل اللاعبين الأفارقة.
يبدو مستقبل بطولة كأس الأمم الأفريقية واعداً. يبذل الاتحاد الأفريقي لكرة القدم جهوداً حثيثة لتعزيز مكانة البطولة. كما أن التطور الملحوظ في مستوى كرة القدم الأفريقية يبشر برفع مستوى البطولة أكثر. وسيلعب الاستثمار المستمر في البنية التحتية وبرامج تنمية الشباب وكرة القدم النسائية دوراً حاسماً في استدامة نمو البطولة.
إن بطولة كأس الأمم الأفريقية ليست مجرد بطولة كرة قدم، بل هي احتفاءٌ بصمود أفريقيا ومواهبها ووحدتها وتراثها. فمنذ بداياتها المتواضعة عام ١٩٥٧ وحتى مكانتها الحالية كحدث رياضي بارز، لطالما قدمت البطولة روائع كروية، وشكّلت في الوقت نفسه منصةً للتعبير الثقافي والسياسي.
لا تقتصر تصفيات كأس الأمم الأفريقية على تحديد المنتخبات المتأهلة للبطولة فحسب، بل تُتيح أيضاً منصةً للاعبين الصاعدين لعرض مهاراتهم. بالنسبة للعديد من المواهب الواعدة، تُعدّ هذه التصفيات أولى تجاربهم في كرة القدم الدولية، مما يمنحهم فرصةً لصنع اسمٍ لأنفسهم ولفت أنظار كشافي المواهب من أفضل الأندية حول العالم.
مع استمرار تطور البطولة ومع الاستعدادات لنسخة هذا العام في المغرب، ستظل بطولة كأس الأمم الأفريقية شاهدة على قوة الرياضة في توحيد الشعوب ذات الثقافات المتنوعة، وجلب الفرح لملايين المنازل وإلهام الأجيال.

اهلا بك